صفات عباد الرحمن وأحوالهم ذكرها الله تعالى في آيات كتابه العزيز 

صفات عباد الرحمن وأحوالهم ذكرها الله تعالى في آيات كتابه العزيز
عادة السفيه لا يضبط ما يقول لسانه أما عباد الرحمن فيصونون أنفسهم عن الجهالات والسفاهات –
أمرنا بالانتباه إليها لنيل عظيم المزايا وواسع الهبات –
متابعة: سيف بن سالم الفضيلي –
أكد فضيلة الشيخ خالد بن سالم الخوالدي عضو الهيئة التدريسية بكلية العلوم الشرعية ان الله تعالى اختص الله تعالى عباد الرحمن بعظيم المزايا وواسع الهبات وجميل الألطاف فقد شرفهم سبحانه بذكر صفاتهم وأحوالهم في آيات الله العزيز (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) الى قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا).
وأوضح في الجزء الأول من محاضرته (عباد الرحمن) ان الله تعالى أراد منا ان ننتبه لها وان نسعى سعيا حثيثا للاتصاف بها حتى ننال تلك الدرجات ونتبوأ تلك المراتب التي جعلها الله تعالى له.
وقال: إن أول شرف ناله هؤلاء الأفراد ان الله تعالى نسب عبادتهم إليه وهذا تشريف وتكريم فقال (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ) وإذا ما نسب الشيء الى الله جل وعلا فإن ذلك بلا شك اختصاص وتكريم منه سبحانه وتشريف لذلك الشيء فحينما يقال هذا بيت الله هذا تشريف وتكريم لذلك البيت وحينما يقال (ناقة الله) هذا تشريف وتكريم لتلك الناقة لأنها آية من آيات الله وحينما يقال (عبدالله) هذا تشريف، وهكذا حينما يقال (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ) فهذا تشريف وتكريم لأولئك العباد.
وذكر المحاضر ان أول صفة من صفات عباد الرحمن (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) والمعنى انهم يمشون بسكينة وسمت وتواضع من غير استكبار أو تجبر على عباد الله ومن غير استخفاف واستهتار أيضا فليس من صفات عباد الرحمن التكبر وليس من صفاتهم الاستخفاف أو الخفة وإنما من صفاتهم الصمت ومن صفاتهم الوقار ومن صفاتهم التواضع هذه هي صفتهم (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) فإذا ما مشي أو فعل أو قال كانت هذه الصفات متوفرة في مشيته وهيئته في قوله وفعله في تعامله مع الآخرين.
والصفة الثانية (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)، انهم لا يجارون أهل الجهالة والسفه فعادة السفيه الجاهل أنه لا يضبط ما يقول لسانه ولا يحسب حسابا لما يأتي به من أفعال ومثل هذا يعجبه ان يكون الناس مسايرين له في خفته مساوين له في طريقته لكن هؤلاء العباد المخلصون لا ينهجون هذا النهج بل من صفاتهم يصونون أنفسهم عن متابعة الجاهلين واستخفاف أهل الخفة فلا يجارون جاهلا في قوله ولا يجارون جاهلا في فعله، (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) فهم في الصفة الأولى يكفون الأذى عن الناس (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) وفي الصفة الثانية يحتملون الأذى من الناس إذا ما توجه اليهم هذا الأذى. ويشير فضيلته بأن بعض أهل التفسير قالوا بأن قوله تعالى (قَالُوا سَلَامًا) أي قالوا قولا معروفا ولم يجاروا أهل الجهالة في جهالتهم وسفاهتهم، وقال بعضهم بل لسان حالهم انهم يقولون سلّمنا أنفسنا من هذه الجهالة فلا يقابلون جهالة الجاهلين إلا بالصمت ويقول هؤلاء بأن هذا أولى من النطق لان الجاهل لو قال له العاقل السلام عليكم أو قال له سلاما إذا ما نطق بجهالته زاده ذلك جهالة فوق جهالته، ولكنه لو أعرض عنه وسكت فإنه يصون نفسه من جهالة ذلك الجاهل ولا يتابعه عليها فهذا محتمل وهذا محتمل وكله خير بل ان نطق الإنسان بالمعروف إذا ما جهل الجاهل عليه، هذا في حد ذاته أمر بمعروف ونهي عن منكر والإنسان مأمور بذلك وواجب عليه، فإذا ما نطق الجاهل بشيء من الجهالة نهاه عن جهالته بقول معروف حسن فذلك من صفات عباد الرحمن (قَالُوا سَلَامًا) أي قالوا قولا معروفا.
ويضيف: الإنسان قد يصيبه أذى من قبل الناس الشتم أو السب أو اللعن أو الأذية أو غير ذلك من الأمور وقد يكون بعض أهل السفاهة ممن أغرق في هذا الجانب فليس له هم سوى فلان وفلان.
وعباد الرحمن يصونون أنفسهم عن هذه الجهالات وهذه السفاهات فلا يتابعون هؤلاء ولا يجندون أنفسهم للجم أفواه هؤلاء بل يصونون أنفسهم فلا يقولون إلا قولا معروفا إذا ما وُجهوا بمثل هذه الجهالة ولا يجارون عليها.
خدمة الخالق
أما الصفة الثالثة التي ذكره الله تعالى لعباد الرحمن (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) فحالهم في النهار كف أذى واحتمال أدي وحالهم في الليل خدمة الخالق جل وعلا والإخبات إليه سبحانه وتعالى فهم متصلون بالله مراقبون له يتبعون أوامره في ليلهم وفي نهارهم، فليلهم بين التهجد والقيام والركوع والسجود (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)، هذا هو حال عباد الرحمن، فليسوا أهل غفلة عما يقربهم الى الله وليسوا أهل حرمان لأنفسهم من هذا الخير العظيم الذي هو ربيع الأبرار وبهجة القلوب وحياة النفوس، فلا ينسى الواحد منهم مهما كان حاله ووضعه أن يجعل لنفسه وِرْدا يقف فيه بين يدي الله، صافا أقدامه بإخبات حاضر القلب بخشوع وتضرع يرفع أكف الضراعة الى ربه سبحانه سائلا منه التسديد والتوفيق والإعانة والتأييد والحفظ والهداية لكل خير، هذه الحال حال لا يحرم شخص عاقل منها بل عليه ان يحافظ عليها، وقد قال القطب رحمة الله عليه ان هذا الحال يصدق على من صلى شيئا من الليل وقرأ القرآن ولو كان ذلك قليلا ومن زاد بلا شك زيد له في الأجر وكلما تقرب العبد الى الله تعالى بعبادة أعظم كان ذلك أعلى في الدرجة له عند الله.
ويضيف: لكن التعاسة في حال أولئك الذين لا يعرفون هذا الأمر ولم يجربوه في حياتهم ولم يسعى الواحد منهم في حث نفسه عليها فإن ذلك حرمان من كثير من الخير فكم من أمراض القلوب تتساقط بقيام الليل وكم من ذنوب يتوب العبد منها الى ربه سبحانه وتعالى بقيامه لليل وكم من إقبال على طاعة يتحقق بقيام الليل وكم من صفاء روح ورقة قلب تتحقق للإنسان بقيام الليل وكم من دعاء يجاب وكم من إعاذة يعاذ الإنسان بها بقيام الليل فبمثل هذا الأمر يتصف عباد الرحمن.
أهل خوف من الله
أما الصفة الرابعة (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) وهي لصيقة بقيام الليل تابعة له لمناسبتها ان يكون هذا الابتهال والتضرع لله تعالى فيها، في أثناء التهجد والقيام.
وهذه الصفة تعني ان عباد الله هؤلاء أهل خشية من الله أهل خوف من الله أهل شفقة على أنفسهم من عذاب الله يخشون الله يحرصون على طاعته يخافون عقابه يحذرون بطشه ونقمته هذه صفتهم فهم يخافون العذاب الذي أعده الله تعالى للعصاة المذنبين ويعلمون بأنهم ليسوا قادرين على تحمل ذلك العذاب وهو عذاب لا يستقر للشخص الذي يصطليه قرار، ولا يرتاح (إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) هذه الخشية من عذاب الله صفة من صفات عباد الرحمن وإذا ما توافرت هذه الصفة في النفس كفتها عن الشرور ودفعتها الى خيرات عظيمة وهل يجترئ العاصي على عصيانه إلا بسبب خلو قلبه من الخشية من الله وهل يكرر العاصي ذنبه إلا بسبب غفلته عما أعده الله تعالى للمذنب من عذاب شديد وهل يجترئ العاصي على ترك الطاعة إلا بسبب غفلته من تلك العقوبة التي أعدها الله تعالى لمن ترك الطاعة فهذه الخشية أمر مهذب للنفس مقوم للسلوك ضابط للأحوال جميعا وهي من صفات عباد الرحمن انهم يخشون عذاب الله وليسوا غافلين عن ذلك ولا ناسين له.
أهل اعتدال
والخامسة (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) من أهم صفات الرحمن انهم أهل اعتدال ليس عندهم شطط في شيء وليس عندهم تضييع في شيء لا في الأفعال ولا في الأقوال ولا في الأعمال أو الإنفاق فهم ليسوا أهل شطط في تعاملهم مع الناس. وليسوا أهل ضعف ووهن وقلة حيلة بل هم أهل صبر على تحمل الأذى وهم أهل نشاط في نهارهم بفعل الطاعة وفي ليلهم بفعل الطاعة وهم أهل اعتدال أيضا فيما يتعلق بإنفاقهم.
فليسوا أهل إسراف وليسوا أهل تقتير فلا يصل بهم الإنفاق الى حد السرف ولا يصل بهم الاقتصاد الى حد البخل بل هم معتدلون في إنفاقهم والاعتدال بلا شك انه خير الأعمال بل منهج الإسلام مبني على التوسط في كل شيء حتى في عبادة الإنسان لربه لا يغلوا الإنسان فيها بل يكون متوسطا فيها لان التوسط روح الدين ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين لنا ذلك وأمرنا ان نكون متوسطين حتى في العبادة وفي حديث الثلاثة الذين جاءوا فسألوا عن عبادة الرسول فأخبروا فكأنهم رأوها قليلة وقالوا أين نحن من رسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو ليس محتاجا بسبب ذلك الى كثرة عبادة أما نحن فلم تغفر ما تقدم من ذنوبنا وما تأخر وبالتالي نحن نحتاج الى مضاعفة عبادة فقال أحدهم أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثاني أنا أصلي الليل ولا أرقد، وقال الثالث وأنا لا أتزوج النساء. فحرم كل واحد منهم نفسه من نعمة وحاجة فطرية جعلها الله سبحانه وتعالى في نفس الإنسان فلما علم رسول الله ذلك دعاهم وقال لهم أنتم الذين قلتم آنفا كيت وكيت. فأخبروه أنهم قد قالوا ذلك. فقال لهم أما أني أتقاكم لله وأخشاكم له. ولكني أقوم وأرقد وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، هذه سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني.
فبين لهم صلى الله عليه وسلم ان منهجه منهج الحنيفية السمحة المعتدلة التي لا شطط فيها ولا غلو ولا إفراط فيها ولا تفريط وهذا يمتد حتى في النفقات، فالله سبحانه وتعالى يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالاعتدال في النفقة (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) أي ممسك غاية الإمساك. (ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا).
فعباد الرحمن متصفون بالاعتدال في كل شيء ملبسا ومأكلا ومشربا ومركبا ونفقة وبذلا، كل ذلك لا بد ان يكون مغلفا بالاعتدال والوسطية ليس فيه إسراف وليس فيه تقتير.
لا يشركون بالله
الصفة السادسة (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) عباد الرحمن هم أبعد ما يكونوا عن هذه الصفات الثلاث التي ذكرها المولى جل وعلا (الشرك بالله) ان يشركوا مع الله تعالى غيره هذا أمر بلا شك انه أشنع الكبائر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، أي نوع من أنواع القتل بغير وجه حق هذا من أكبر الكبائر، (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) فحرمة دم المسلم لا شك أنها حرمة عظيمة، وكما ورد (لئن يقتلع الإنسان البيت الحرام حجرا حجرا كان ذلك أهون عند الله من إراقة دم امرئ مسلم) فلا يتسببون في قتل مؤمن من غير وجه حق ووجوه الحق في القتل هي ما يكون وفق الحكم الشرعي ويكون ذلك بإذن الحاكم الشرعي أيضا، كأن يكون الإنسان -مثلا- قاتلا لنفس عمدا فهذا بلا شك انه مستحق للقتل قصاصا إلا ان عفى ولي الدم ولكن يقوم بذلك الحاكم الشرعي أو من خوله الحاكم الشرعي، وليس ذلك لعامة الناس وإلا لحلت الفوضى في دنيا الناس، أو الزاني المحصن أو المرتد عن دينه فهؤلاء جميعا يستحقون القتل ولكن ذلك وفق الحكم الشرعي ووفق المناط الشرعي وبإذن الحاكم الشرعي وليس ذلك أمرا مباحا هكذا الناس يفعلونه بأنفسهم ويقدرونه بأنفسهم وإنما هذه أحكام تجري فيها سنن الأحكام على حسب أصولها. (وَلَا يَزْنُونَ) والزنا من أكبر الكبائر وإذا كان القتل قتلا للنفس من جهة حسية فإن الزنى قتلا للنفس من جهة معنوية لأنه يقتل العفة ويقتل الشرف ويقتل الكرامة ويقتل الحياة ويكسر حياء المجتمع ولا شك ان الزنا أمر عظيم يجب على الإنسان ان يجتنب كل ما يقرب إليه (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا) لأن الاقتراب منه يفضي إليه، وقال صلى الله عليه وسلم (العينان تزني وزناهما النظر، والأذنان تزني وزناهما السمع، واللسان يزني وزناه الكلام، والرجل تزني وزناها السعي، واليد تزني وزناها البطش، ويصدّق ذلك ويكذبه الفرج) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
خطورة الزنا
ويوضح: فقد يقع الإنسان في زنا العين حينما ينظر الى ما حرم الله عليه أو يقع في زنا السماع حينما يستمع الى الحديث المفضي الى الزنا أو يقع في زنا الكلام حينما يتكلم بالحديث المؤدي الى الزنا، أو يسعى الى المكان برجليه الذي هو محل حصول مثل هذه الفتن أو الفواحش فمثل هذه الأحوال كلها أحوال يجب على الإنسان ان يجتنبها ولذلك تجد بأن الشرع قد نهى عن كثير من الأمور سدا لذرائع الفساد ونأيا بالعباد عن الاقتراب من هذا الوحل القذر، فنهى عن الخلوة بالمرأة الأجنبية لأن الخلوة فيها شر عظيم (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). نهى عن الدخول على النساء (إياكم والدخول على النساء، قال رجل من الأنصار: أرأيت الحمو قريب الزوج «أخوه أو قريبه، يمكن ان يدخل على أهله هكذا ليس عندهم أحد قال: (الحمو الموت) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وأمر المسلمين بغض أبصارهم لأن البصر بريد القلب، وأمرهم بحفظ فروجهم أي بستر عوراتهم (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى) هكذا أيضا أمر المؤمنات بالغض من الأبصار وحفظ الفروج، وحفظ الفروج هو الستر على قول بعض أهل التفسير أي يستروا عوراتهم لأن ذلك فيه حفظ لفروجهم ونأي بأنفسهم عن الاقتراب من أوحال هذه الرذائل كل هذه الأحوال نهى الشرع عنها لأنها تفضي الى الفتن، نهى النساء عن التبرج نهى عن مصافحة المرأة الأجنبية. (وَلَا يَزْنُونَ) ثم بين سبحانه أثر فعل هؤلاء لهذه الشرور (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) إلا من تاب من هذه الأمور ورجع الى الله وأناب إليه فإن ذلك كما الله تعالى في شأنه (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) وتبديل الحسنات يحتمل ان يكون بإبداله الخير بدل الشر بمعنى انه يفعل الطاعة ويوفق إليها بدل المعصية فيبدل بالنفاق إيمانا وبالزنا تقوى وصلاحا وبأي معصية من المعاصي التي يتوب الى الله تعالى منها طاعة أخرى يوفق إليها وهكذا.
وقد يكون المعنى ان الله تعالى يكتب له بتوبته أجور من لم يعمل تلك الأعمال كأن يكتب للزاني إذا ما تاب الله توبة نصوحا أجر من مكّن من الزنا ثم قال معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين. أو يكتب له حسنات كثيرة بسبب توبته الى الله تعالى من ذلك الفعل. هذا كله محتمل وقد قال به عدد من أهل العلم (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) وهذه صفة لا بد ان ينبته لها عباد الرحمن انهم يسارعون الى التوبة الى الله إذا ما حصل منهم الخلل وهذه التوبة تكون مقرونة بالعمل الصالح ولا تكون فقط توبة مشتملة على ندم أو ترك للذنب. لان الله تعالى يقول (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) أربعة أشياء يتوب ويكون من المؤمنين المتقين ويعمل الصالحات ثم يسعى للوصول الى الهداية وهو الثبات على الطاعة الى ان يموت ولا يكون شخصا يجرب أحواله مرة يفعل ومرة يترك بل يجتهد في المحافظة على ما وفق من طاعة.

 تابع معنا:


النفس البشرية هي مصدر القبول والرفض لأي تغيير نحو الأفضل أو الأسوأ، وبحسب استعدادها للعلو والهبوط يمنحها الله ما تهيأت هي
له، وعندما نزل الوحي استقبلته القلوب الصادقة فزادها إيمانًا، ورفضته القلوب المكذبة فزادها كفرًا.. قال تعالى: {فأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}.

والشعوب التي تريد المجد لا يحجبها أحد عن مجدها، وسوف تناله بجدارة؛ لأنها تستحق ذلك. وانظر إلى المؤمنين في بدر، كانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، لكنهم كانوا بذرة طيبة لأمة عظيمة، طوّقت انتصاراتها وفتوحاتها الدنيا.

والأمة التي استسلمت للهوان، ورضيت بالذل؛ لا يرتفع لها شأن أبدًا، فبنو إسرائيل انتصر عليهم فرعون، واستعبدهم وأذلّهم؛ لأن عندهم قابلية لذلك، قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}.


ولهذا لما هاجر بهم موسى إلى الأرض المقدسة لم يكونوا أهلاً للنصر والمجد؛ لأنهم يحملون نفوس الخنوع والقهر، فأبقاهم الله في صحراء سيناء يتيهون أربعين سنة حتى مات هذا الجيل الفاشل الذليل الحقير، ونشأ جيل آخر عنده صمود وتحدٍّ، فدخل الأرض المقدسة.
وما تقوم دولة من الدول ولا ثورة من الثورات إلا على أيدي أبطال عندهم استعداد للتضحية والفداء، كما قال أبو مسلم الخراساني: كل قادة دولة في أول أمرهم شجعان، ولا تسقط دولة إلا على أيدي كسالى فاشلين عندهم استعداد للسقوط..
فدولة بني أمية سقطت على أيدي أناس مستهترين وأوغاد لعّابين؛ كان بعضهم يحتجب عن الرعية، وكان جُلّ وقته سكران يعيش حياة البذخ والإسراف حتى قُتل على يد ابن عمه وأُحرق في جلد حمار، ودولة بني العباس سقطت في جيل فوضوي همّه اللهو واللعب، حتى إن الخليفة المستعصم من آخر خلفائهم كان مشتغلاً بنطاح الكباش واللعب بالنردشير!!
والذين صنعوا الحضارات كانوا أهلاً لهذا التمدن الدنيوي والرقي الحضاري، فهل اليابانيون وصلوا إلى ما وصلوا إليه من إنتاج وصناعة وتمدن بالنظر في النجوم، وتعليق التمائم، واستشارة المشعوذين والكهنة؟ أم بالنزول إلى الميدان، وفتح الآفاق للمهارات وتسخير المواهب في سبيل النهوض والتمدن، وترك الكسل والمظاهر الخدّاعة والمشاهد الزائفة من اللهو والطرب؟
وهل ماليزيا بقيادة مهاتير محمد جلست على النجوم في العالم الإسلامي في رقيّها وحضارتها ونظامها واقتصادها؛ لأنها جلست تتغنى بمجد أجدادها وتاريخ أسلافها، أم لأن مهاتير محمد وضع لها خطة عملية ميدانية تسمى الخطة العشرية، وهي مكتوبة موجودة لمن أراد أن يطلع عليها، تقوم على احترام القداسات، وإطلاق الحريات، وإحياء المؤسسات، وفتح سوق العمل، والانتقال من التنظير إلى الميدان، وفك الارتباط الاقتصادي الذي يقوم على التبعية لهيمنة الرأسمالية .
وهل "طيب أردجان" في تركيا أجلس تركيا على الجوزاء في عالم الازدهار والتقدم؛ لأنه قعد يقص عليهم أخبار أجداده من عثمان الأول وسليمان القانوني ومحمد الفاتح وأمثالهم؟ أم لأن الرجل وأعضاء إدارته شدوا أحزمتهم في عمل رهيب يقوم على روح التنافس والتجديد والإبداع، ووضعوا خططًا للتعليم والسياسة والاقتصاد والسياحة وغيرها، وكلفوا طواقم من الجهابذة مهمتهم تنفيذ هذه الخطط كلٌّ فيما يخصه؟ حتى إن تركيا هذا العام أخذت المركز العالمي الأول في السياحة تنظيمًا وترتيبًا وإمتاعًا، وهي ليست بلد بترول ولا غاز.
ولا يُحتل وطن ولا تُذّل أمة إلا وعند أهلها استعداد وقابلية لذلك؛ فالعالم الإسلامي في عصر الانحطاط قَبِل الاستعمار المغولي، ولكنه في عهد النهوض والصمود بقيادة نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي رفض الاحتلال الصليبي وفتح بيت المقدس.
والذين لا يفخرون بالمجد الدنيوي والازدهار المعيشي ليس عندهم استعداد لهذه المراتب المتقدمة؛ لأن من يفكر في التوافه ويعيش الأوهام ويتسلى بالماضي لا يصلح أن يصنع مجدًا أو يقيم حضارة أو يترك إبداعًا ومآثر حية، وإنني أقرأ سيرة الرموز المعاصرة الذين أثّروا في القرن الماضي وساهموا في صنع التاريخ وهم قُرابة العشرين رمزًا، وقد جمعهم الأستاذ تركي الحمد في كتاب (العشرون الأوائل)، وسمّى منهم الملك عبد العزيز وغاندي وروزفلت وتشرشل ولينين وستالين وماوسي تونق ونيلسون مانديلا ومحمد علي جناح وبقية العشرين، وقد أصاب في ذلك، بل إن الكاتب مصطفى أمين جعل الملك عبد العزيز الأول بين العشرين في مقال له.
ويجمع هؤلاء العشرين قاسمٌ مشترك، وهو الصمود والتحدي والصبر والعمل والإصرار، بغض النظر عن معتقداتهم ومذاهبهم، وإنما المسألة سُنّة الوجود وقانون الحياة الدنيوية؛ لأن من جدّ وجد ومن زرع حصد، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
إذن فليبدأ الإنسان بنفسه فيغيرها إلى الأصلح همةً وتفكيرًا وعملاً. إن الذي يفكر في النجاح دائمًا ويُعِدّ له العُدّة ويهيئ له الأسباب، سوف يمنحه الله النجاح، والذي يسعى لطلب الرزق ويكدّ ويكدح ليجمع المال الحلال، سوف يرزقه الله من حيث لا يحتسب.
وأما الذي يجلس في غرفته يدير نظره في جدرانها الأربع، وينتظر أن تهبط عليه العبقرية من السقف، أو أن تدخل عليه المواهب من النافذة؛ فهذا مريض ينبغي أن يُسعى في طلب الدواء له.
ولهذا يطالب روّاد المعرفة من الإنسان أن يغيِّر فكره أولاً ونظرته إلى الحياة، ويأمرونه أن يفكر في النجاح والرقي والفضيلة والنصر والسلام والتّفوق والصحة والرزق ونحوها؛ لأنه سوف يعمل من أجلها، ولا يفكر في الرسوب والتأخر والانحطاط والهزيمة والحرب والانكسار والمرض والفقر؛ لأنه سوف يستسلم في الأخير لها.

يقول مالك إبن دينار:
بدأت حياتي ضائعا سكيراً عاصيا .. أظلم الناس و آكل الحقوق .. آكل الربا .. أضرب الناس ...... افعل المظالم ..
لا توجد معصية إلا وارتكبتها .. شديد الفجور ..
يتحاشاني الناس من معصيتي
يقول: في يوم من الأيام .. اشتقت أن أتزوج ويكون عندي طفلة..
فتزوجت ورزقني الله بطفلة
سميتها فاطمة .. أحببتها حباً شديدا .. وكلما كبرت فاطمه زاد حبي لها وفي نفس الوقت زاد الايمان في قلبي ..
وقلت المعصية.
وكلما رأتني فاطمة أمسك كأسا من الخمر .. اقتربت مني فازاحته وهي لم تكمل السنتين ..
وكأن الله يجعلها تفعل ذلك .. وكلما كبرت فاطمه كلما زاد حبي لها وزاد الايمان في قلبي اضعافا .. وكلما اقتربت من
الله خطوه .. وكلما ابتعدت شيئا فشيئاً عن المعاصي..
حتى اكتمل سن فاطمه 3 سنوات
فلما أكملت .... الــ 3 سنوات
ماتت فاطمة، يقول: فانقلبت أسوأ مما كنت .. ولم يكن عندي الصبر الذي عند المؤمنين ما يقويني على البلاء ..
فعدت أسوا مما كنت .. وتلاعب بي الشيطان .. حتى جاء يوما
فقال لي شيطاني: لتسكرن اليوم سكرة ما سكرت مثلها من قبل!!
فعزمت أن أسكر وعزمت أن أشرب الخمر وظللت طوال الليل أشرب وأشرب وأشرب
فرأيتني تتقاذفني الاحلام .. حتى رأيت تلك الرؤيا
رأيتني يوم القيامة وقد أظلمت الشمس .. وتحولت البحار إلى نار.. وزلزلت الأرض ...
واجتمع الناس إلى يوم القيامه .. والناس أفواج .. وأفواج .. وأنا بين الناس
وأسمع المنادي ينادي فلان إبن فلان .. هلم للعرض على الجبار
يقول: فأرى فلان هذا وقد تحول وجهه إلى سواد شديد من شده الخوف
حتى سمعت المنادي ينادي باسمي .. هلم للعرض على الجبار
يقول: فاختفى البشر من حولي (هذا في الرؤيه) وكأن لا أحد في أرض المحشر ..
ثم رأيت ثعبانا عظيماً شديداً قويا يجري نحوي فاتحا فمه ،فجريت أنا من شده الخوف
فوجدت رجلاً عجوزاً ضعيفاًً .. فقلت: آه: أنقذني من هذا الثعبان !
فقال لي .. يابني أنا ضعيف لا أستطيع ولكن إجر في هذه الناحيه لعلك تنجو ..
فجريت حيث أشار لي والثعبان خلفي ووجدت النار تلقاء وجهي .. فقلت: أاهرب من الثعبان لأسقط في النار
فعدت مسرعا أجري والثعبان يقترب !!
عدت للرجل الضعيف وقلت له: بالله عليك أنجدني أنقذني .. فبكى رأفتا بحالي ..
وقال: أنا ضعيف كما ترى لا أستطيع فعل شيء ولكن إجر تجاه ذلك الجبل لعلك تنجو
فجريت للجبل والثعبان سيخطفني فرأيت على الجبل أطفالا صغاراً
كلهم يصرخون: يافاطمه أدركي أباك أدركي أباك !
يقول: فعلمت أنها ابنتي .. .ويقول..
ففرحت وعيوني تفيض دمعا أن لي ابنة احببتها وبحبها زاد ايماني
ماتت وعمرها 3 سنوات ..وها هي الآن تنجدني من ذلك الموقف !
فأخذتني بيدها اليمنى ...... ودفعت الثعبان بيدها اليسرى وأنا كالميت من شده الخوف .
ثم جلسَت في حجري كما كانت تجلس في الدنيا ..وقالت لي بصوتها الحنون..
ياأبت :ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله !
يقول: يا بنيتي .. أخبريني عن هذا الثعبان!!
قالت هذا عملك السيء أنت كبرته ونميته حتى كاد أن يأكلك .. أما عرفت يا أبي أن الأعمال في الدنيا تعود مجسمة يوم القيامة..؟
يقول:وذلك الرجل الضعيف؟ قالت: ذلك العمل الصالح .. أنت أضعفته وأوهنته حتى بكى
لحالك لا يستطيع أن يفعل لك شيئاً ،
هل تذكر يا ابت عندما زاد الايمان في قلبك وأنا طفلة في الدنيا؟ لولا عملك الصالح هذا ماكان هناك شئ ينفعك
يقول: فاستيقظت من نومي وأنا أصرخ: قد آن يارب.. قد آن يارب, نعم
ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله
يقول: واغتسلت وخرجت لصلاه الفجر أريد التوبه والعوده إلى الله
يقول: دخلت المسجد فإذا بالامام يقرأ نفس الاية
ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله
ذلك هو مالك بن دينار من أئمه التابعين
هو الذي اشتهر عنه أنه كان يبكي طول الليل ...... ويقول
إلهي أنت وحدك الذي يعلم ساكن الجنه من ساكن النار، فأي الرجلين أنا
اللهم اجعلني من سكان الجنه ولا تجعلني من سكان النار
وتاب مالك بن دينار واشتهر عنه أنه كان يقف كل يوم عند باب المسجد ينادي ويقول:
أيها العبد العاصي عد إلى مولاك .. أيها العبد الغافل عد إلى مولاك ..
أيهاالعبد الهارب عد إلى مولاك .. مولاك يناديك بالليل والنهار يقول لك
من تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعاً،
ومن أتاني يمشي أتيته هرولة
أسألك تبارك وتعالى أن ترزقنا التوبة
لا إله إلا أنت سبحانك .. إني كنت من الظالمين

بعد أن تحدث الباحث/ عبد الله العجيري في الجزء الأول من الحوار عن الإلحاد بشكل عام وكونه بات يمثل ظاهرة في عالمنا العربي بشكل خاص أم لا، إلى جانب تسليطه الضوء على صور الإلحاد الجديد وقضية التقية الاجتماعية التي تقف خلف تستر بعض الملحدين، وتلميحه للدعاة بضرورة سد الثغرات في الخطاب الدعوي الموجه للملحدين.. يستكمل العجيري في الجزء الثاني الحديث معددا سمات الخطاب الإلحادي الجديد، وصور التجديد في الخطاب العقدي المواجه، ووضع مجموعة من الضوابط لعلاج الظاهرة بأكملها”[1]

حوار/ علاء الدين علي

  • ما هي سمات خطاب الإلحاد الجديد عن سابقه؟

تميز الإلحاد الجديد إجمالاً بست سمات:

الأولى: الحماسة في الدعوة للإلحاد بعدما كان الإلحاد شأناً ذاتياً، ومن مظاهر هذه الحماسة للدعوة للإلحاد تأليف سيل من الكتب الإلحادية وتصدرها قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، ولم تنجُ حتى كتب الأطفال من هذه الموجة، حيث كتبت عدة مؤلفات إلحادية للأطفال والمراهقين .. وأيضاً امتدت هذه الموجة للبرامج الفضائية والإذاعية وحتى برامج رسوم الأطفال المتحركة.. وتوج ذلك بظهور عدة مؤسسات للملحدين ترعى هذه الدعوة من خلال اللوحات الإعلانية على الطرقات أو المنتجات المختلفة من الملابس والأدوات.

والسمة الثانية: عدائية الخطاب، حتى قال أحدهم: (ذهبت أيام الإلحاد المؤدب)، وذلك باستخدام أبشع الصفات والنعوت تجاه المقدسات، وما نراه في كتابات بعض الملحدين العرب هو انعكاس لتلك الروح العدائية، وهذه العدائية من نقاط الخلاف بين الملاحدة الجدد والقدماء المعترضين على المبالغة في الإهانة والاستهزاء بالمتدينين.

السمة الثالثة: استعمال أداة الإرهاب في حرب الأديان، وذلك بربط كل المشاكل والشرور في العالم بمتدينين كانوا وراءها، ومن ثم الخروج بقانون (كل الشرور دينية)، لدرجة أنهم اعتبروا الاتحاد السوفييتي متديناً ولذلك كان متخلفاً ثم انهار!.

السمة الرابعة: الهجوم اللاذع على دين الإسلام، فبرغم أن الإلحاد الجديد ظهر في الغرب، وهو يصطدم بشكل أساسي مع المسيحية، إلا أنهم يخصّون الإسلام بقدر خاص من عدائهم وعدوانهم، ولذلك تنتشر في إصداراتهم الطعن بالمصطلحات الإسلامية، وأيضاً تجد احتفاءهم المبالغ فيه برموز الإلحاد الإسلامية مثل آيان هرسي المرتدة الصومالية، وحمزة كاشغري السعودي.

السمة الخامسة: هي جاذبية الإلحاد الجديد، فعلى عكس الإلحاد القديم الذي كان يقوم على جانب فلسفي ونظري، فإن الإلحاد الجديد أصبح (موضة)، وأصبح لرموزه معجبون وعشاق يتابعون أخبارهم ويعلقون صورهم ويطلبون توقيعاتهم، مما جعل الحالة تكاد تصل للتقديس أو علاقة المريد بشيخه!.

السمة السادسة: المغالاة الشديدة في قبول العلوم الطبيعية التجريبية، حتى وصلت هذه المغالاة لدرجة (الهوس والخرافة والدوغمائية)، والتي ألحدوا هروباً منها عند المتدينين! ويمثل هذا بتحميل العلم ما لم يثبت بعد لتقرير إلحادهم.

  • هل نحتاج تجديد الخطاب العقدي، رداً على الملحدين، خاصة وأن كلمة “التجديد” لقيت انتقادات كثيرة في التجديد الفقهي والدعوي، فكيف بالعقدي؟

طبعاً أنا أدعو إلى “التجديد”، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بخلقه، فقد روى أبو داود في سننه بسند صحيح عن أبي هريرة، رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها).

فلفظة “التجديد” ليست لفظة جديدة أو دخيلة على التصور الإسلامي؛ فالتجديد هو إحياء ما اندثر من الإسلام، وأعتقد أن (التجديد على مستوى الوسائل) ليس به إشكال، لكن الإشكالية في التجديد تكمن في الخروج على المفاهيم الأولية للدين؛ فالتجديد هو إحياء للمفاهيم الأولية التي أتى بها النبي (صلى الله عليه وسلم.. هذا على مجرد اللفظ).

وأعتقد أن مسارات التجديد في الجانب العقدي متنوعة وكثيرة، وصعبة الإحاطة، وأسعى في طرح هذه الرؤية في تحريك الأجواء داخل الوسط الشرعي والعقدي، بمناقشة ما هي الجوانب التي نحتاج أن نجدد فيها الخطاب العقدي ..

ومن هذه القضايا العقدية على مستوى الوسائل، عندنا قضايا عقدية مثل (فكرة وجود الله تعالى) الاستدلال لهذه الفكرة ليس توقيفياً، بمعنى لو أن الدليل كان صحيحاً مفضيا إلى إثبات هذه القضية العقدية فهو دليل صحيح وإن لم يكن وارداً في الكتاب والسنة، فلا يشترط توقيف الدليل المعين، وهذا مما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، مع التنبيه على أن أجل وأعظم الأدلة الدلالة على القضية هو ما احتواه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

مسارات تجديد الخطاب المواجه لأفكار الإلحاد الجديد

مسارات التجديد التي يمكن أن أقترحها ..

المسار الأول: هنالك مصطلح جميل في الأجواء الفقهية عنوانه “النوازل الفقهية”، فهناك كثير من المستجدات في المجال العقدي وفق هذه اللافتة وهذا العنوان “النوازل العقدية”، وهناك أسئلة تحتاج الإجابة عليها ..

المسار الثاني: نحتاج إلى استخدام بعض الأمثلة المُقرِبة لبعض المسائل العقدية، وهذه الأمثلة مفيدة ومقنعة وضرورية.. فعلى سبيل المثال في سياق البرهنة على استحالة ظهور الحياة إلى الوجود صدفة من غير خالق حكيم عليم، يمكن الاستعانة بالأمثلة المعبرة والمقربة لمدلول مفهوم الاستحالة هنا، كقول بعضهم في توضيح حجم الاستحالة من تولد التركيب والتعقيد في هذا العالم من خلال الصدفة المحضة بأن الأمر أشبه بإعصار ضرب ساحة خرداوات فكونت لنا طائرة بوينج 747 قابلة للطيران..

وكفكرة أن الظواهر المركبة المعقدة التي تستدعي وجود أجزاء تعمل معاً بشكل متناغم بحيث إذا اختل منها جزء اختل النظام بأكمله تدل على أنها وجدت هكذا دفعة واحدة، وهو ما يستدعي وجود مصمم صممها على هذا النحو، لا أنها تطورت من أشكال بسيطة لتصل إلى الأكثر تعقيداً، إذ هذه الظواهر غير قابلة للتبسيط والاختزال.

ومن المفاهيم التي يمكن استثمارها في المجال العقدي مفهوم الضبط الدقيق لهذا الكون، فعند التأمل في الكون فستجد أن ثمة سننا وقوانين وثوابت معايرة ومضبوطة بشكل دقيق جداً من أجل أن توجد الحياة، وأن اختلال أي ثابت من هذه الثوابت عما هو عليه يؤذن بخراب عظيم.

فوجود هذه الثوابت يستدعي سؤالا، كيف وجدت هذه الثوابت؟ هل هناك من ضبطها على هذا النحو الدقيق؟ أم أنها من قبيل الحتميات الضرورية؟ أم وجدت هكذا بالصدفة المحضة؟

المسار الثالث: وهو في نظري مهم جدًا، تجديد صيغ وقوالب بعض الأدلة العقدية في هذا الباب، وممارسة شيء من العصرنة اللفظية لها، والاستفادة مما استجد من المعارف والعلوم، خذ هذا المثال، في طبيعة الدرس العقدي فإن ألصق المباحث العقدية بقضية الإلحاد مبحث “توحيد الربوبية”..

وهو مبحث يُعنى أصالة بالجواب عن سؤال: هل رب هذا العالم واحد أم متعدد؟، في حين أن السؤال الذي يفرضه الإلحاد متعلق بوجود الرب أصلاً، والحق أن سؤال وجود الله تعالى سؤال ناقشه الوحي كما في قوله تعالى: “أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ” (الطور:35)، وأنه سؤال ينبغي الاهتمام به بحسب تمدد إشكالياته في الواقع،  وأحسب أن طالب العلم اليوم خصوصاً المختص في المجال العقدي يلزمه التعرف على مختلف الأوجه الدلالية على وجود الله تبارك وتعالى، وطرائق البرهنة عليه، والرد على الاعتراضات، على نحو محكم ومرتب، لا أن تكون هذه المعرفة معرفة مجملة مختصرة لا تفي بالمطلوب.

  • هل ترى أن (القوانين) والمتابعة الأمنية، وما يترتب عليها من عقوبات يعتبر حلاً ناجحا، أم أنت من دعاة أن الفكرة لا توأد إلا بالفكرة ونشر الوعي؟

برأيي أن الخيار ليس إما أن نشتغل على المسار الاجتماعي ونشر الوعي، أو بالإلزام القانوني وما يترتب عليه من عقوبات .. أقول: أن المنظومة التشريعية في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) واضحة في هذا الباب، أنهما يمكن أن يسيرا كلٌ في مساره..

شيء طبيعي أن يكون هناك أحكام شرعية وضعها الإسلام للحد من الظواهر التي تدمر المجتمع كالسرقة، وشرب الخمر، والزنا، والذي أعتقده أن وجود الخطاب المقنع الذي يمارس دور التوعية؛ مطلوب ومهم، ويؤدي دوره ورسالته، ولكن كذلك في المقابل في وجود النظام السياسي الإسلامي الراشد ليس بمسموح أن يعطى الباطل حقوقا، بل لابد من اتخاذ ما يبطله و يدحضه.

  • دعنا نختم هذا الحوار الماتع بتلخيص للضوابط المطلوبة لعلاج ظاهرة الإلحاد الجديد :

أعتقد أن الضوابط للعلاج تتمثل في ست نقاط:

أولاً: ضرورة تحري الصدق والعدل والموضوعية في تناول الإلحاد، لأن هذا أدعى للقبول وحتى لا يكون هذا مدخلا للطعن في الإسلام.

ثانياً: عدم تسطيح الظاهرة الإلحادية، وذلك بعدم فهم شبهة الملحد والاجابة بجواب ناقص.

ثالثاً: تجديد الخطاب العقدي لعلاج الإلحاد؛ لأن الإلحاد المعاصر تطور عن الإلحاد القديم، وأصبح يعتمد على ركائز جديدة، لا يصلح معها العلاج القديم، ولابد من الاستفادة من العلوم العصرية لإبطال شبه الملاحدة.

رابعاً: ضرورة تقديم رؤى نقدية هجومية للإلحاد، وعدم الاكتفاء بالدفاع، لأن الإسلام والإيمان هما الحق، والإلحاد هو الباطل، ومن أبرز نقاط ضعف الإلحاد غياب مرتكز الأخلاق في منطقه؛ فالإلحاد لا منطق له في وجود الأخلاق وهذا مخالف لكل الفطر والعقول السوية.

خامساً: تأصيل المنهج الشرعي للتعامل مع الشبه، حتى لا يقع الضرر ويتأثر المسلم بالشبهات بدلاً من نقضها.

سادساً: ترسيخ الحضور القرآني في قضايانا الفكرية، وهو ملمح مهم يعطي المسلم قوة عقدية في طرحه، ويعيد الدور الرسالي للمسلمين لإنقاذ العالم والبشرية.

لأول مرة في تاريخ بريطانيا (الدولة المسيحية) يأتي اسم "محمد" ليحتل المرتبة رقم 1 بين أسماء المواليد الجدد لعام 2014 ... هذه الإحصائية المفاجئة للغربيين لم تكن مفاجئة لنا، لأن لدينا حديثاً عن حبيبنا عليه الصلاة والسلام بأن هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار.
فقد ذكرت جريدة ديلي ميل البريطاني الشهيرة  (1) على موقعها بتاريخ 1 ديسمبر (1-12-2014) أن المدهش بالنسبة للغربيين وجود اسم إسلامي هو (محمد) في المرتبة الأولى بين أسماء المواليد الجدد في بريطانيا، والتي طالما ظلت أسماء مثل (جورج – جيمس – جاك - أوليفر...) هي الأكثر انتشاراً بين المواليد الجدد. إلا أن هذه القاعدة تغيرت عام 2014 ليأتي اسم (محمد) ليكون الأكثر شيوعاً بين مواليد بريطانيا.
 
وحسب إحصائيات الحكومة البريطانية عام 2013 فإن عدد المسلمين يشكل بحدود 5.2 % من عدد السكان الإجمالي (أكثر من 3.3 مليون مسلم من أصل 63 مليون بريطاني)، ولكن هذه النسبة تتطور بشكل متسارع، ويؤكد الباحثون أن الإسلام في بريطانيا سيكون الدين الأبرز خلال الجيل القادم، كما جاء في هذه المقالة:
In May, new census data published by the British government showed that Islam is set to become the dominant religion in Britain within the next generation (2).
ولكن الإحصائيات تؤكد أيضاً أن نسبة المواليد من المسلمين في بريطانيا بحدود 9.1 % وهذا يعني أن الإسلام ينتشر بسرعة مضاعفة (3).
الإسلام وحسب إحصائيات الأمم المتحدة ينمو بنسبة 6.4 % بينما المسيحية تنمو بنسبة أقل من الربع أي 1.46 % خلال نفس الفترة، وهذا يعني أن الإسلام ينتشر أكثر من أربعة أضعاف انتشار المسيحية (4).
فمنذ عام 1989 تضاعفت أعداد المسلمين في أوربا بنسبة 142.35 % وفي أستراليا تضاعفت أعداد المسلمين بنسبة 257 % .

حسب صحيفة الغارديان Guardian The فإن اسم (محمد) في بريطانيا هو أكثر اسم تم تشويهه خلال العقود الماضية.. وعلى الرغم من ذلك نجده الأكثر انتشاراً بين مواليد بريطانيا. وهذا يؤكد مدى ارتباط المسلمين باسم نبيهم وتقديرهم له ومحبتهم لهذا الاسم.
إن المؤمن عندما يسمع مثل هذا النبأ، لابد أن يتساءل: ما هو مستقبل الإسلام؟ وهل سينتشر الإسلام بشكل هائل في السنوات القادمة؟ وهل عرفنا لماذا الحرب على الإسلام من قبل بعض الملحدين؟
والجواب نجده في قوله تبارك وتعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ‏‏* هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ‏الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: 32-33].. هذه الآية نزلت في القرن السابع الميلادي .. وفي ذلك الزمن كان عدد المسلمين محدود جداً وضمن منطقة محدودة.. فهل يمكن لإنسان أن يتنبأ بأن الإسلام سوف يُحارب ولكنه في النهاية سوف ينتشر ويظهر ويصل لجميع البشر؟
فهذا هو دين الله ينتشر بسرعة البرق في دول الغرب على الرغم من محاولات إخماده! وهذا هو اسم رسوله (محمد) يظهر وينتشر بسرعة على الرغم من محاولات تشويهه.. بالله عليكم، ألا يدل هذا على أن الله سيتم نوره، وسوف نرى الإسلام في كل مكان يوماً ما؟؟!

تقرير الأمم المتحدة يعتبر صادماً لكل من يطلع عليه، حيث يؤكد الخبراء أن 800000 شخص ينتحرون كل عام على مستوى العالم.. ومعظمهم في الدول المتقدمة والغنية. والسؤال: ما الذي يدفع الناس وبخاصة الشباب من الذكور لاتخاذ قرار التخلص من هذه الحياة؟
نؤكد أن المشكلة ليست مادية أو مرضية أو وراثية.. بل هي مشكلة عقيدة! فالإنسان عندما يفقد الأمل من الله تعالى، وليس لديه اعتقاد بالآخرة.. تتكالب عليه الهموم واليأس والإحباط.. والنتيجة أننا نجد على مستوى العالم محاولة انتحار كل 40 ثانية حسب إحصائيات الأمم المتحدة.
ولذلك هناك آية عظيمة في القرآن الكريم تؤكد أن اليأس يساوي الكفر!! يقول تعالى: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87]. وربما ندرك لماذا اعتبر القرآن أن اليأس من الله تعالى هو كفر بالله!
يقول الباحثون حسب هذا التقرير الصادر مؤخراً (حسب موقع CNN  بتاريخ 5/12/2014) عن الأمم المتحدة: هذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها المنظمة الدولية تقريرا كهذا، إذ قامت بتحليل بيانات أشخاص أقدموا على الانتحار من 172 دولة لمدة عشر سنوات.
حول هذه الظاهرة، قالت المنظمة العالمية إن الانتحار هو مشكلة صحية ونفسية لا علاج لها، وأكدت عجز الهيئات الصحية العالمية عن مناقشتها وإيجاد حل لها، مؤكدة ضرورة خفض الانتحار حول العالم بنسبة 10 في المائة بحلول عام 2020.

من أبرز ما ورد في التقرير ارتفاع نسبة الانتحار بين الذكور مقارنة بالإناث، كما أنها ترتفع في الدول الغنية أكثر من الدول الفقيرة. وذكر التقرير أن استخدام المبيدات الحشرية هو الوسيلة الأبرز للانتحار خصوصا في المناطق النائية، لذا تعهدت الحكومات بتطبيق خطط وطنية صارمة لمواجهة هذه الظاهرة، ووقف محاولات الانتحار.
لقد فشل باحثو العالم في إيجاد حل لهذه المشكلة.. ولذلك يأملون أن يخفضوا نسبة الانتحار 10 % فقط!! وحتى هذه النسبة تكاد لا تتحقق لأنهم لم يدركوا جذور المشكلة.
إن الحل الحقيقي هو الاعتقاد بوجود خالق كريم رحيم رازق قادر على كل شيء.. والاعتقاد بوجود اليوم الآخر وأن كل إنسان سيحاسب على أعماله ولو كانت مثقال ذرة!! وأن الإنسان عندما يصبر على هموم الدنيا فإن الجنة بانتظاره..
دعونا الآن نتأمل هذا النص القرآني الرائع والذي يصور لكل إنسان صابر ماذا ينتظره من النعيم والثواب والحياة الخالية من الهموم في الجنة.. قال تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 22-24].
فتصور عزيزي القارئ هذه النتيجة، بعد الموت سوف أن الملائكة تدخل عليك من كل باب، وتناديك بكلمة (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ).. ولن يكون هناك مشاكل ولا جوع ولا خوف من المستقبل ولا أمراض ولا تخشى على نفسك أو أهلك من شيء.. لن تخاف من أي شيء لأنك في حماية الملك سبحانه.. لن يكون لديك مشكلة اقتصادية أو حاجة للمال .. لن تحزن على أي شيء.. لأن كل شيء سيكون في خدمتك في الجنة إن شاء الله... ما هو الثمن؟ إنه الإيمان بالله والصبر بالدرجة الأولى!
وتصور معي أن إنساناً ينتظره كل هذا النعيم، هل يمكن أن يكون حزيناً في الدنيا؟ وهل سيفكر في إنهاء حياته، أم أنه سيعمل بجد ونشاط ويسارع في فعل الخيرات ويستغل كل لحظة من حياته في خدمة الآخرين وخدمة أهله وخدمة كتاب ربه، ليلقى الله وهو راضٍ عنه..
قال تعالى: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [العنكبوت: 5-6]. فأجمل لقاء على الإطلاق هو لقاء الله تعالى..
إن أحدنا إذا كان لديه لقاء مع ملك أو رئيس بهدف الحصول على شيء من متاع الدنيا الفانية، فإنه يتهيأ له ويتجهز وينتظره بفارغ الصبر.. فكيف إذا كان اللقاء مع خالق الكون سبحانه وتعالى؟ وكيف إذا كانت نتيجة هذا اللقاء هو جنة عرضها السموات والأرض؟!
إذاً الحل العملي للقضاء على ظاهرة الانتحار نهائياً هو:
أن نساعدهم على اعتناق الإسلام (لأن معظم الذين يقدمون على الانتحار هم من غير المسلمين والأغلبية من الملحدين)، ونساعدهم على التعرف على رحمة الله تعالى.. وكيف أن حياتهم ستتغير وأن الفرح والسرور سيملأ هذه الحياة التي كانت الأحزان تسيطر عليها.. سوف يصبح لهذه الحياة قيمة وأهمية وهدف...
وفي هذه الحالة فإن مثل هذا الشخص اليائس سوف يتحول لمؤمن حقيقي بالله، ويستجيب لهذا النداء فوراً: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29]... ولن يفكر بالتخلص من هذه الدنيا لأنها ستصبح بوابة لدخول الجنة والتمتع بنعيمها...
إن كل آية من آيات القرآن الكريم تمنح الإنسان الأمل والتفاؤل والفرح والسعادة.. مثلاً قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58]. وهذا الفرح والسرور جسده لنا النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في أصعب مواقف حياته وهو في الغار والمشركين على بعد خطوات منه.. والكل يتربص به ليقتلوه.. ولم يكن معه إلا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه.. فماذا قال في هذا الموقف، وكيف عالج هذه الحالة النفسية الصعبة التي كان يمر بها سيدنا أبو بكر الصديق؟
إنها كلمات قليلة ولكن تدل على إيمان عميق.. قال له: (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40]... انظروا معي إلى هذا الإيمان المطلق، وهذا الإحساس بوجود الله في كل لحظة... فسيدنا أبو بكر لم يكن خائفاً، بل كان حزيناً أن يصيب رسول الله مكروه أو شر فماذا يصنع بعده!
هذا هو الإيمان الذي ينبغي علينا إيصاله لغير المسلمين لأنهم بحاجة ماسة له، وهذه مسؤولية كل مسلم يستطيع أن يبلغ هذا الدين لغير المسلمين وينشر علوم القرآن لمن يحتاجها.. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين قال في حقهم: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33].
والآن دعونا نتأمل هذه الآيات الكريمات التي تبعث الأمل في النفوس وتقضي على أي يأس أو اكتئاب أو حزن أو ضعف: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 154-157].
هذه الآيات ذكرتنا أولاً بأن الموت يجب أن يكون في سبيل الله فقط وليس لأي سبب آخر (يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). ثم ذكرتنا أن الصعوبات الاقتصادية والنفسية والتي يمر بها الإنسان إنما هي بلا ء من الله، وأن الله هو القادر على كشف هذا الضر عن عباده (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ).
ثم يذكرنا بأهمية الصبر وأنه هو العلاج الأمثل (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، ثم أعطانا أساليب عملية لعلاج ظاهرة الانتحار عند الضيق والهم والاكتئاب أن يقول المؤمن (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).. ولكن ما هي نتيجة هذا السلوك الإيجابي: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) أي أن الله سيرحم من يصبر ويسلم أمره إلى الله، بل سيكون من المهتدين (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).
إذاً هذا النص هو بحق علاج ناجع لأي إنسان يتعرض لضائقة اجتماعية أو اقتصادية، وبالتالي نجد أن المسلم لا ينتحر أبداً ومهما كانت ظروفه.. وهذه روعة الإسلام أنه يمنحك القوة في أصعب الظروف.

إنه مرض العصر ووباء تفشى في مجتمعاتنا الإسلامية للأسف.. إنه يدمر الشباب وحتى الأطفال والكبار.. فما هو العلاج الفعال لهذا الداء؟ دعونا نقرأ....

مع أن وسائل التواصل الاجتماعي قدّمت الكثير من الفوائد وساهمت في التواصل مع الأقارب والأهل والأصدقاء.. وسهلت الاتصال بالآخرين والتعامل معهم.. ولكن لابد من جانب خطير ربما يهمله الكثيرون.. ألا وهو العشق الإلكتروني!!
العشق الإلكتروني لا يعني فقط أن تتعرف على فتاة من خلال موقع إلكتروني وتقيم معها علاقة.. بل إن مشاهدتك وإدمانك على هذه المواقع هو أسوأ أنواع العشق الإلكتروني لهذه المواقع!! فكثرة النظر لصور الفتيات مثلاً شيء سيء جداً بل يدمر بعض خلايا الدماغ المسؤولة عن القيادة والتحكم بالعواطف!
وبسبب سهولة الوصول إلى الجنس الآخر عبر صفحته على الإنترنت.. بل الوصول إلى أعداد كبيرة في نفس الوقت، ووجود فراغ كبير لدى فئة الشباب، نشأت علاقات محرمة عن بعد، ونشأ معها الكثير من وسائل النصب والابتزاز وصولاً إلى الفضيحة الجنسية... وأشياء أخرى قد تدمر مستقبل الشاب أو البنت.. وأشياء قد تؤدي للطلاق أو الانحراف والضياع... أو الإدمان على مشاهدة المناظر الإباحية... فما هو العلاج؟
مخاطر النظرة الأولى
لقد أثبت العلماء أخيراً أن أي نظرة يقوم بها الشاب إلى فتاة جذابة فإنها تثير في دماغه إفراز هرمونات محددة، مهمتها تهيئة الجسم لعملية التزواج الطبيعية، كما يقوم القلب بضخ كميات إضافية من الدم للاستعداد للقاء الطبيعي (وهذه ظاهرة تتضح أكثر في عالم الحيوان).. ويحدث هذا الأمر خلال جزء من الثانية! لذلك فإن المشكلة تبدأ بالنظرة الأولى!

علاج سهل وفعّال
وإذا أردتُ علاجاً سهلاً وفعالاً في آنٍ معاً.. عليك بالامتناع عن النظر إلى النساء الغريبات (أي اللاتي يحلّ لك الزواج بهن). هذا الامتناع سوف يريح دماغك من إفراز هذه المواد، وسوف يريح قلبك من التفاعل مع هذا المنظر... ويجنّبك الدخول في علاقات غرامية تسبب لك المتاعب الاجتماعية والنفسية والجسدية.
خطورة وسائل التواصل الاجتماعي
إن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم هي سبب في زيادة حالات الطلاق، وزيادة حالات الاغتصاب، وكذلك زيادة حالات الابتزاز الجنسي!! ولذلك فإن الدخول لمثل هذه المواقع الاجتماعية يجب أن يكون بدافع الرغبة لتعلم شيء مفيد.. مثلاً البحث عن معلومات طبية أو كونية.. وعدم الدخول لأي موقع قد يجرّكَ إلى علاقة عاطفية ما.. فليس ذكاءً أن تقيم علاقة.. بل الذكاء والقوة أن تحمي نفسك من الوقوع في فخّ هذه العلاقات ومشاكلها.
ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك عملياً؟؟
وأقترح عليكم أحبتي في الله.. وللتخلص بسهولة من شرّ العشق الإلكتروني هذه الأساليب:
1- يجب أن تعلم أن ترككَ لهذه النظرة المحرمة.. هو استجابة لأمر الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [النور: 30].. وبالتالي فإنك ستكسب أجراً بمجرد أن تمنع نفسك من النظر إلى ما حرّم الله.
2- إن امتناعك عن النظر إلى المحرمات هو صبر على هوى النفس الأمارة بالسوء.. وهذا الصبر ليس له جزاء إلا أن يكون من الفائزين يوم القيامة!! تصور أن الله يخاطبك في هذه الآية ويقول: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) [المؤمنون: 111]... كم ستكون سعادتك في تلك اللحظة!
3- إنك عندما تترك النظر نهائياً إلى ما حرم الله، فإنك بذلك تستجيب لأمر خالقك سبحانه وتعالى الذي يقول لك: (وَ أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات: 40-41]. فالحياة قصيرة جداً.. ومهما نظرت أو أحببتَ فإنك ستفارق هذه الدنيا.. ولن تجد أمامك إلا عملك، فانظر كيف تعمل.
4- إن عينك التي امتنعت عن النظر لما حرم الله، لن تمسها النار يوم القيامة.. قال عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفَّت عن محارم الله) [رواه الطبراني، وحسّنه الألباني]... ألا تحب أن تحجب عينك عن نار جهنم يوم القيامة؟
5- إن الامتناع عن النظرة المحرّمة يكسبك مزيداً من الإيمان تجد حلاوته في قلبك.. فهذا هو حبيبك صلى الله عليه وسلم يقول لك: (إنك لن تدع شيئا لله عز وجل الا بدّلك الله به ما هو خير لك منه) [رواه أحمد]... وبالفعل كل من جرّب أو طبق هذا الحديث عوضه الله خيراً مما ترك.. فإذا كنتَ عازباً سيعوضك الله يزوجة صاحلة تقرّ بها عينك.. وإذا كنتَ متزوجاً عوضك الله بمزيد من الرضا والمحبة والسعادة ولذّة لن تجد مثيلاً لها إلا إذا تركتَ النظر إلى ما حرم الله.
 
6- إذا ما فعلت فاحشة أو نظرت إلى محرّم.. إياك أن يتسرب الشيطان ويوسوس لك بأن التوبة لن تفيدك، أو أن تستمر في المعصية وتؤجل التوبة أو تترك الصلاة أو أنك لن تستفيد من أي عمل صالح ما دمت تعصي الله... هذا هو ما يدمرك ويجعلك توغل أكثر في المحرمات... يجب عليك أن تتوب وتستغفر الله تعالى مباشرة... حتى لو تكرر الذنب آلاف المرات.. ما دمتَ تستغفر الله فلن يتركك الله أبداً، وسوف يأتي يوم تكره فيه المعصية كما تكره أن تلقى في النار..
وأخيراً يجب عليك أخي الحبيب أن تعلم أن النظر إلى ما حرم الله تعالى، هو نوع من أنواع الزنا!!! لأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: (العين تزني وزناها النظر) [متفق عليه].. فإذا نظرت إلى امرأة بشهوة فإن عينك زانية لأن الجسم يقوم أثناء النظر بكل ما يقوم به أثناء الزنا من إفراز لهرمونات وتدفق دم وتهيئة للجماع... ولذلك قال عليه السلام في آخر الحديث: (والفرجُ يصدق ذلك أو يكذبه).
فهل اقتنعت معي بضرورة الامتناع عن النظر إلى المحرمات، واستبداله بالنظر إلى كتاب الله تعالى والبدء بتلاوته وتدبّره؟

تأملات إيمانية

[تأملات إيمانية][fbig1]

دروس ومحاضرات

[دروس ومحاضرات][slider2]
يتم التشغيل بواسطة Blogger.